من نحن؟

رسالة حركة التوحيد والإصلاح هي: 

الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به؛ على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، وبناء نهضة إسلامية رائدة وحضارة إنسانية راشدة. من خلال حركة دعوية تربوية، وإصلاحية معتدلة، وشورية وديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة، وتعتمد الحركة أساسا إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته، كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة. والتدافع السلمي. والمشاركة الإيجابية والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات

مبادئنا الأساسية:

نقصد بالمبادئ الأساسية الكليات والأسس التي ننطلق منها ونرتكز عليها لتحقيق مقاصدنا. وهي مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإننا نجعل من الكتاب والسنة المصدرَ الأعلى لكل مبادئنا ومقاصدنا، وروحَ منهجنا، والموجِّهَ الأسمى لاختياراتنا واجتهاداتنا، ونرفعُ ما تضمَّنَاهُ فوق آرائنا وقوانيننا وقراراتنا. وقديما قال بعض الأئمة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»([1]). ونحن نقول: كُلُّ ما ثَبَتَ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو قَوْلُنا ومذهبنا وشرعتنا.

وعليه، فإننا نلتزم العناية بهما، وإعلاء شأنهما، والاجتهاد في فهمهما والتفقه فيهما، والاحتكام إليهما قبل كل شيء، وفوق كل شيء؛ قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) (النساء 58)، وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)(الحجرات 1).

وإذ تؤمن حركة التوحيد والإصلاح بالطبيعة المتجدِّدة لهذا الدين فهما وتنزيلا، فإننا في نطاق الكتاب والسنة نؤمن بالتجديد والاجتهاد، وندعو إليهما وفق الأصول والقواعد المقرَّرة، والتعامل الإيجابي مع كل ما هو نافع وصالح ومفيد، مما أنتجته العقول والتجارب الإنسانية للمسلمين ولغير المسلمين، لأن الإسلام يهدي إلى ذلك ويدعو إليه. وقد لخصنا مبادئنا الكبرى في ستة:

  1. ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
  2. المرجعية العليا للكتاب والسنة.
  3. الإسلام هو الهدى.
  4. الدعوة إلى الله تعالى.
  5. الحرية والشورى.
  6. العمل المؤسساتي.

 أولا: ابتغاء وجه الله والدار الآخرة

وهو مبدؤنا الأساس الذي منه انطلقنا، وعنه صَدَرنا، وعليه كان وما يزال حرصُنا، وإليه يؤول قياس أعمالنا ومناشطنا، يحدونا قول الله تبارك وتعالى : (قُل اِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(الأَنعام 164-165). بل إن هذا المبدأ العظيم هو الأسُّ الذي ينبني عليه الأمر كلُّه عند المسلم، أمرُ الدنيا وأمرُ الآخرة. فالإيمان بالغيب الذي يجعل من المؤمن مؤمنا إنما يقوم على إرجاع الأمر كلّه لله؛ طلبا وتفويضا ومراقبة وامتثالا وقولا وعملا. فالعمل إنما هو لله، والقول إنما هو لله، والسكون إنما يكون بالله، والحركة إنما تكون بالله وفي سبيل الله. ثم الدار الآخرة بما هي مقام الرجوع إلى الرّحمن، ومراقبة مشهد الوقوف بين يدي الدّيان، تحفز للجهاد والاجتهاد، وتلجم دون الزيغ واللَّدَدِ والفساد، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83). والآخرة دار الجزاء ثوابا وعقابا، ولكنها فوق ذلك دارٌ للقاء الله تبارك وتعالى ومرافقة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهي الدار التي يحظى فيها المؤمن ببُغيته في نيل رضى الله عزّ وجلّ ومنيته في النظر إلى وجهه الكريم، إذ ليس بعد ذلك غاية ولا مطلب.

وإننا إذ نجعل ذا مبدأنا الأساس والأول، فمعناه أننا لا نسأل الناس أجرا على عملنا في الدعوة إليه، ولا ننتظر منهم ثناء، ولا نقبل من أنفسنا ولا من غيرنا أن يتخذ الدعوة إلى الله مطية لغرض دنيوي شخصي، بل نريد أن نعمل الخير وندعو إليه، ولسان حالنا ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)(الإِنْسان 9 – 10) و

قوله سبحانه : (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن اَجْرٍ  إِن اَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الشعراء 109).

وإننا إذ نجعل ذا مبدأنا الأساس والأول، فمعناه أننا نعتبر الدنيا بالنسبة للمؤمن معبرا يمر منه إلى الآخرة، ومحطة ينتقل منها إلى لقاء الله تعالى. ولا يستقيم أن يجعل منها ومن زينتها غايةَ رحلته؛ ومنتهى أمله؛ وهدف كفاحه؛ وموضوع نضاله. ولكنه يوازن بين مطالب دينه ودنياه، ويجعل منها حقلا يحرثه وبستانا يزرعه للآخرة، وهو ما يدل عليه قول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(الشورى 18) ، وقوله سبحانه: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(القصص 77).

إن أهمية هذا المبدأ تتجلى في إعطائه الهوية الصحيحة والصبغة الأصيلة لأعمال المؤمن ومناشطه. فقد تتشابه صور الأعمال وتختلف أرواحها. هذا لله وهذا لغيره، وإنهما لفي الظاهر سواء! ولذلك كان حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجَلِّ الأحاديث وأعظمِها قدرا، حتى جُعِل في مداخل الكتب وصدور مدونات الحديث الشريف، وهو الذي يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»([2]) فشتان بين هجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تعد عملا عظيما في ميزان العبادة والجهاد والاتباع وسبيلا للفلاح، وبين هجرة إلى غير ذلك.

ولما كان شأن النية بهذا القدر من الأهمية والخطورة وجب على المسلم جعلها رأسا في أمره لا ينفك يعاود النظر فيها، ويتحرّاها، ويجتهد في إخلاصها لله رب العالمين. وما أكثر ما يخالط القلوب من صنوف الدواخل التي تفسد عليها أمرها، وتحول لها وجهتها؛ فيقع المسلم في براثن الرياء والنفاق وطلب السمعة وإرضاء الخلق وما إلى ذلك. وقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه»([3]).

وبالنية وحسن الإخلاص تصلح القلوب التي لا تُقبل الأعمال إلا بصلاحها؛ قال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن اَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(الشعراء 88 – 89) وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ»([4]). وإنما يتأتى صلاحها بتمام الإيمان. فإذا علم العبد أنه لا إله إلا الله، وعلم أن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الله تعالى يبعث من في القبور. وعلم أن بعد البعث حشرا، وبعد الحشر حسابا، وبعد الحساب ثوابا أو عقابا. أنار الله قلبه فصرف نظره إلى ربه، ولم يلتفت بعد إلى نظر الناس.

ولما كانت الدعوة إلى الله والعمل في سبيله من أعظم الأعمال وأشرف العبادات، فقد كان حقيقا بأهلها وأبنائها أن يجعلوا من أمر إخلاصهم أهم اهتماماتهم، ومحل مراقبتهم. وقد علموا أن أول من تسعر بهم النار – كما في الحديث الشريف – قارئ ومجاهد ومنفق، وذلك لِما غلب على نياتهم من الفساد؛ فهذا يقاتل رياء، وذاك يقرأ سمعة، وذلك ينفق فخرا، فلم يكن كل ما قدموه في سبيل الله، ولا ابتغاء مرضاته، ولا أملا في الدار الآخرة. وقد سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ([5]).

وبالجملة، فإن هذا المبدأ غال ونفيس، وعليه تنبني كل الأعمال، وبه تصحّ ويرجى قبولها، وبه يتميز المسلمون المتقون، قال عزَّ مِن قائل: (أَلَمِّ. ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ، فِيهِ هُدًى للمُتَّقِينَ. الذينَ يومنُون بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُومِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدىً مِّن رَّبِّهِمْ، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(البقرة 1-4)

ونحن في حركة التوحيد والإصلاح إذ نجعل منه أوَّلَ مبادئنا، فإننا نُترجِمُ وعيا به، وحرصا عليه، والتزاما به في واقعنا، وقياس كسْبِنا إليه، والاجتهاد في برامجنا التربوية والتكوينية والعملية لحسن تمثله وتنزيله. وأهم ما يجب أن نحرص عليه في هذا المقام بذلُ النصيحة فيه لأنفسنا ولإخواننا وأخواتنا وللمسلمين، والاجتهاد في الالتقاء مع كل من له هذا القصد، امتثالا لأمر الله تعالى إذ يقول: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلا تُطِعْ مَنَ اَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا. وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر) (الكهف 28-29).

  ثانيا: المرجعية العليا للكتاب والسنة

إن الوحيَ الإلهي مصدرُ الإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً. والوحيُ قِسمان على التحقيق: القرآنُ العظيم والسّنة النبوية المشرَّفة. فهما نبراس السالكين، وميراث سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والأصلان اللذان لا يفترقان.

فأما القرآن فكتاب الله تعالى ومعجزته الخالدة. وهو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، من تمسك به كان على سبيل الهداية والنجاة، ومن استنكف عنه كان على حافة الضلالة والهلاك، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُومِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُو أَجْرًا كَبِيرًا)(الإسراء  9). وهو الحق الخالص الذي وصفه الحق تبارك وتعالى فقال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(فصلت 40-41). وقال أيضا: (أَلَرَ كِتَابٌ اُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(هود 1). وهو النور الباهر الذي أضاء ظلمة الجهل والباطل كما عبّر عنه القرآن الكريم فقال: (أَلَرَ كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمُ¨ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(إبراهيم 1-2). وقد ضَمِن الرحمن له الخلودَ والحفظَ فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر 9). وخصّه بالاشتمال على وصايا الحق تبارك وتعالى للعالمين بما يؤسِّس لسعادتهم في معاشهم ومعادهم، فقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل 89)، وتحدى به إعجازا أن يُؤتَى بمثله فقال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)(الإسراء 88). وهو العلم المطلق المهيمن الذي وصفه الحق تبارك وتعالى فقال: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ)(الرعد 38).

وأما السُّنة المشرّفة فهِيَ التَّمَثُّل الأكمل لرسالة الإسلام في قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفعله، وحاله، وسائر شأنه. وهِيَ الحكمة التي أوتِيَها النبي صلى الله عليه وسلم، ومحجته البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ وهو ما فسّرَ به البعضُ معنى الحكمة في قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِم¨ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ¨ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(البقرة 128)،بأنَّ الحكمةَ المذكورةَ في الآية المرادُ بها السّنة([6]). والسنة المشرفة جماع ما كان عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهي مبحثٌ عظيم، ومحلُّ نظر شريف، يقفو أثَرَ خير البرية، ويتحرّى حالَه وقالَه تحرِّيا يمتُنُ به التديُّنُ، ويَصِحُّ به التَّعبُّدُ، ويسمو به السّلوك. ولا غَرْوَ فإنما كانَ الرسول صلى الله عليه وسلم القدوةَ للمؤمنين، قال عزّ من قائل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الاُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُو إِصْرَهُمْ وَالاَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيءِ الاُمِّيَّ الَّذِي يُومِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأَعراف 157- 158).

إن هذا المبدأَ الأساسَ الثاني امتدادٌ لسابقه. فإن من أراد اللهَ تعالى والفوزَ بالدار الآخرة لمُمْتَثِلٌ لما جاء به الوحي من الله تعالى، وما أمر به سيِّدُنا مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وسلم في قوله وفعله. وقد علَّمَنا دينُنا الحنيف أنَّ الأعمالَ لا تكون مقبولة إلا إذا تحققت بركني الإخلاص والصواب. فإخلاصها أن يبتغى بها وجه الله تعالى، وصوابُها أن تكون موافقة للشرع باتباع الكتاب والسنة على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويدعونا هذا المبدأ إلى التمسُّك بالإسلام الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهو ما يتحقق بالعلم تفقُّها وتمييزا بين مستويات التّكليف؛ ومراتب الأحكام؛ ومقاصد الدين؛ وجهات تصرُّف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، حتى لا تكون متابعتنا – من جهة- متابعةً حرفية ظاهرية تَجْلُبُ الخلافَ المذموم، وتُعْنِتُ المؤمِنَ مُريدَ الالتزامِ بالشرع الصحيح. ومن جهة أخرى، كي لا نُفَوِّتَ على أنْفُسِنا فُرْصَةَ حُسْنِ الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى أمَّتِنَا سَمَاحةَ الإسلام وسَعَتَه ووَسَطِيَّتَه التي تجعل من تطبيقِها لدينها والتزامها بشريعتها ومتابَعَتِها لنبيها واعتزازِها بدينها أمراً مُمْكناً غيرَ مُعْنِتٍ لأبناء الإسلام، وغير مُنَفِّرٍ لِمَنْ يَليهِمْ من بني الإنسان.

وإنَّ هذا المبدأ الذي يعلي من شأن مرجعية الكتاب والسنة لهو ترجمة لهويتنا التي تتشَوَّفُ إلى الإسلام وتتحدَّد به، فنحن مُتَّبِعونَ لا مُبْتَدِعون مُحْدِثون، ولا مُقَلِّدونَ جامِدون. 

فالاتِّباع إنما يكون مُرتَبِطاً بالروح والمقصد، والمنهج والمسلك؛ فيسمو على الابتداع الذي يكون مدارُه إمّا على الأشكال والرسوم حتى ليمسَّ بموقوفٍ لا سبيلَ إلى المساس به، أو يتَشَدَّد في مسكوتٍ عنه لا مَصلحةَ في النبش فيه، أو يعبَثَ بأصالة مَنْهَجٍ دون الوقوفِ على أسْرارِه.. وقد يكون جموداً على التقليد حتى يصيرَ استلابا لماضٍ ذَهَبَ بأهله، فيجيب عن أسئلة غير زمانه، ويتزيى بغير زي عصره. وقد يكون خِفَّةً إلى كلِّ تَحديثٍ حتى وإن كان استلاباً لجواب غيره عن غير أسئلته في غير ما تأصيل، وتعاطِياً لدواءٍ وُصِفَ لِغَيْرِ عِلَّتِه في غَيْرِ ما تَحقيق.

   ثالثا: الإسلام هو الهدى

يمثل هذا المبدأ ترجمة لإيماننا بأن سعادة الدارين إنما تكون بحسن الفهم عن الله تعالى، وحسن الاتباع لمنهج نبيه عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا الأساس نبني اجتهاداتنا ونضع اختياراتنا. إن قولنا بأن الإسلام هو الهدى انتقالٌ من القناعة إلى الموقف، ومن العلم والإيمان بسُمُوِّ مرجعيته إلى العَمَلِ والعرفانِ بها؛ وفيهِ توسيعٌ لدائرة التلقي من نبراس الوحي إلى مستوى حضاري عام؛ إذ هو ترجمة لقناعتنا الراسخة: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى)(البقرة 119)، أي أنَّ الإسلامَ عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً ونظاما هو القادرُ على إسعاد البشرية، والجديرُ بهدايتها وقيادتها في طريق الحق والخير والعدل، والكفيلُ بإسعاد بني آدم، والقادر على أن يحيِيَهم حياةً طيِّبَةً، فينشئ بهم ولهم حضارة راشدة متوازنة، ويجعل الدنيا بحقٍّ قنطرة لحياة الخلد في الآخرة. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُومِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُو أَجْرًا كَبِيرًا)(الإسراء 9) وقال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ اُنْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُو أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل 97).

إن الإسلام يُحْيي الأمة التي امتثلت أوامره ونواهيه حياةً طيِّبَةً في الدنيا، وينقلها إلى حياةٍ أطيَبَ في الآخرة، وفي مقابل ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: (وَمَن اَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(طه 122) وفي الإسلام يجد الناس فلاح الدنيا والآخرة، فهو نعمة الله على عباده حيث يقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْاِسْلَامَ دِينًا)(المائدة 4).

إن الإسلام هو الهدى لأنه يقدم الجواب للحائرين، والأمان للخائفين، والمعنى للضائعين. إنه الهدى لأنه الميزان والقسطاس المستقيم. وهو الهدى لأنه وَصْلٌ للفناء بالبقاء، والشهادة بالغيب، والخلق بالخالق، وانتصارٌ للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا رهبانية ولا ابتذال، ولا معاكسة للطبيعة البشرية في نزوعها إلى الحياة، ولا إسفافَ بها دون أشواقها الروحية وتطلعاتها الأخلاقية. والإسلام هو الهدى لأنَّ فيه فلاحا للفرد، وفلاحا للأمة، وفلاحا للبشرية؛ وأعظمُ هذا الفلاح دخولُ الجنة والنجاة من النار، وبعده فلاح الدنيا الذي يتجلى أكبر ما يتجلى في الانسجام بين العبد وفطرته، وبينه وبين الكون من حوله. إنَّه الفلاح كله الذي مهما التمست البشرية سعادة الدارين في غيره، فلن تجدها إلا في ظل وحيه ووصاياه وأحكامه. وهو الهدى لأن الله سبحانه وتعالى قد أراده خاتما للأديان وناسخا لها؛ فقد جعله مشتملا على المقوّمات الضرورية لذلك؛ فجعله وهو يخاطب الإنسانَ: جامِعاً لمناحي الحياة؛ وهو يتعهَّد المجتمعات: مُرْشِداً لها في مجالاتها كلها بلا استثناء؛ وهو يتوجَّه إلى العالمين مُسْتَوعِبا لاختلاف شعوبهم وأجناسهم؛ وهو أزَلِيٌّ خاتِمٌ: مُقَدِّراً لواقع الإنسان من حيث طاقاتُه وحاجاتُه وأحوالُه، مُقَدِّراً لواقع الحياة بما فيها من ثبات وتغير؛ فكان صالحا لكل زمان ومكان، صَلُحَت به الحياةُ في صدر تاريخه، وتأسَّس به نموذج مجتمعي متفرد، وسيظلُّ قادراً على تخريجِ نماذجَ أخرى متميزةٍ بحسب زمانها متى اتّبع الناسُ سننَ الله الشرعية والكونية في النفس والمجتمع. وقد وَعَدَ الله تعالى بظهور الإسلام وتمكنه في الأرض، واستئناف الأمة للحياة الإسلامية العزيزة الكريمة.

غير أن هُدَى الإسْلامِ الَّذي ارْتَضاهُ الحقُّ تبارك وتعالى لعبادِه يتطلب أن يبادِلوهُ رِضىً بمثله، وَلن يَتِمَّ ذلك إلا إذا أيقنوا بكماله وأفضليَّتِه على غيره من المذاهب والأديان، وصلاحِيَّتِهِ لِكُلِّ زمان ومكان، وأنه نعمة من الله، قال تعالى: (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)(طه 1-2).

  رابعا: الدعوة إلى الله تعالى

إن من مقتضيات ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والإيمان بسمو مرجعية القرآن العظيم والسنة المطهّرة، والقناعة الراسخة بأن الإسلام هو الهدى: الدعوة إلى الله تبارك وتعالى. فلما كانت كذلك، اتخذناها مبدأ من مبادئنا، إذ هي الأصل الأصيل في أعمالنا، والركن الركين في اهتماماتنا، وعنها تتفرع باقي الأعمال، وإليها ترد مختلف الأشغال. وهي خير وظيفة يضطلع بها المسلم، ويقوم بأعبائها المؤمن، وهي طريق الأنبياء عليهم السلام ومن اقتدى بهم بإحسان.

والدعوة إلى الله تعالى فريضةٌ واجبةٌ على كل مسلمٍ عَلِمَ من دين الله شيئا قليلا أو كثيرا، يقوم بها في محيطه القريب بين أهله وأقاربه ومعارفه وجيرانه في السكن والعمل، ويصل بها إلى أقصى الناس وأبعدهم ممن تلزمه دعوتهم. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(يوسف 108)، وقال عز من قائل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل 125). وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ)(التحريم 6)، وهي أيضا فرض على مجموع الأمة تقوم بها الدولة والجماعات والمؤسسات قال تعالى: (وَلْتَكُن مِنْكُمُو أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران 104). ولا تبرأ ذمتها حتى تقوم بها على أكمل وجه.

وللدعوة إلى الله فضلها العظيم، وثوابها المفتوح، مما يكفي لجعلها من الأولويات التي تحظى بالاعتبار في حياة المسلم، قال الله عز وجل: (وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(فصلت 32). وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: “فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أن يكونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم”([7])، وقال أيضا:” مَنْ دَعا إلى هُدى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مثل أجورِ مَنْ عَمِلَ به لا يَنْقُصُ من أجورِهم شيئا”([8]).

والدعوة إلى الله جديرة بكل تضحية بالمال والوقت والنفس، لأنها من مهام الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ اَلِيمٍ تُومِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمُو إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَاراً للهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ اَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَت طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)(الصف 10-14).

وهي نوع من الجهاد في سبيل الله، بل هي من أشرف أنواع الجهاد، وأصلُ كل خير وصلاح. إنها استقامةٌ على النهج القويم، وحضٌّ على الاستقامة، وهي الأصل التصوري لحركية المسلم الإيجابية في محيطه القريب والبعيد.

والدعوة إلى الله إذ كانت لنا مبدأ أساسا، فقد ألزمتنا بمقتضياتها وشروطها. فهي تقتضي من الداعية الاحتشاد لها بمكابدة العلم، ومجاهدة النفس، وتعهُّدها بالتربية والتزكية، وحملها على المعالي، وتعويدها الخير، وقبل ذلك التوكل على الله والاعتماد على توفيقه، والبراءة من الحول والقوة إلا به، وردّ الأمر كله إليه. وهي تقتضي أيضا الحكمة في الخطاب، والمحبة للخلق، والنزوع إلى العدل والإنصاف. وتقتضي من الداعية الصبر والحلم والرفق. كما تقتضي منه معرفة بالأحوال والظروف، والوقائع والصروف، وفقهاً لسنن الله في النفس والخلق والمجتمع؛ حتى يؤدي رسالته على أكمل وجه ولا يكون فتنة للخلق وحجابا عن الحق.

والدعوة إلى الله كما تقتضي التحقق بشروطها والتخلق بصفاتها، فكذلك تقتضي التحلق حول مائدتها، والتعلق بمقاصدها؛ وهو ما يستتبع عملا تشاركيا جماعيا، تسود فيه معاني الأخوة وأسباب الاجتماع الموفق، من شورى بين المؤمنين، وأخذ بأسباب النظام المسدِّد للمشاريع، وضبط للأعمال تخطيطا وتنفيذا. إن ذلكم ما تسعى إليه حركة التوحيد والإصلاح وهي تجعل من “الدعوة إلى الله تعالى” مبدأ من مبادئها الأساسية، وتلقاء أعينها قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ، وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(فصلت 29 – 35).

   خامسا: الحرية والشورى

وهذا من آكد مبادئنا. فطريق الدعوة والإصلاح يريد أناسا أحرارا ينطلقون في هذه السبيل على بصيرة من إيمانهم وقناعتهم، وبِزَادٍ من همتهم وتوكلهم؛ فليس كالحرية باعثا للهمم، وفاتحا لآفاق العطاء والبذل. حتى إذا تباينت الآراء وتفاوتت الفهوم واختفلت القابليات والميول؛ جاءت الشورى وِجاءاً وكِفاء، وكانت رداء وغطاء، وأخرجت من عالم الإمكان إلى عالم الكون إمكانات نظرية وعملية، تسدد السير، وتؤيد المسير. وكما أننا نرى الحرية لازمة، فإننا نرى الشورى مُلْزمة، لا نقتصر فيها على محض استئناس وإعلام، بل نرقى بفعلنا الشوري إلى مستوى القوة والإلزام.

ونقصد بالحرية ما فضل الله به الإنسان من قدرة على الاختيار واتخاذ القرار، بما فيه القرار المتعلق بمصيره الأخروي. ولا حَقَّ لأحد أن يسلب من أحد ما منحه الله تعالى، لا باسم الدعوة ولا باسم غيرها. وهي حرية تترتب عنها مسؤولية يتحمل الإنسان فيها عواقب اختياره وتصرفه. فقال سبحانه: (هَل اَتَى عَلَى الاِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الاِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، إِنَّ الاَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)(الإِنْسان 1-5). وقال عز من قائل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُومِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة 255)، وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُومِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر)(الكهف 29)، وقال: (فَذَكِّرْ اِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)(الغاشية 21-22)، وقال: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)(ق 45). فكان ذلك مما استُخلِف به ليحاسب عليه.

بيد أن الشخص الذي يختار بحريته ورضاه الانضمام إلى حركة التوحيد والإصلاح والعمل فيها؛ يكون ملزما بما التزم به، مطالبا بالوفاء بمقتضيات التزامه. وليس في هذا نقص في حريته، ولا انتقاص منها، بل هي ممارسة منه لحريته وإعمال لها، وتحمل منه للمسؤولية التي تلازم الحرية. كما أن التزامنا بالشورى والعمل الشوري هو أفضل مجال وأرقى ممارسة للحرية المسؤولة.

ونقصد بالشورى ذلك الخلق الإسلامي الذي يقابل الاستبداد بالرأي والإعجاب به، فقد كانت الشورى خلق الأنبياء، كما كان الاستبداد خلق الجبابرة والطغاة. وليس للشورى مجالٌ واحد، بل مجالاتها هي الحياة. فالله تعالى علّمنا أن نحسم تدافع الإقدام والإحجام في مواقف الحياة باستخارة الخالق واستشارة الخلق. ولو كان أحد مستغنيا عن الشورى لكان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان مؤيَّدا بالوحي، وكان على غاية الفطنة والعقل وسداد الرأي، ومع ذلك لم يكن أحدٌ أكثرَ استشارةً لأصحابه منه. وقد أقرَّه الوحي على ذلك، وأمَرَه أن يستَمِرَّ فيه، فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(آل عمران 159). كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير في أمور البيت والأسرة والسياسة والحرب والمال والاقتصاد والطب والعلاج…وغير ذلك. وكان التشاور ميزة الجماعة المسلمة كلها؛ فقد مدح الله تعالى المسلمين في مكّة قبل أن يهاجِروا بأنَّ أمرَهم شورى بينهم. والأمرُ هنا عامٌّ يشمل كلَّ أمرٍ مُشترك يحتاجون فيه إلى رأي يعتمد، أو قرار يتخذ.

وفائدة الشورى في الأمور الخاصة والعامة أنها تجمع العقول القادرة على الاجتهاد للنازلة المعروضة، ولن تعدم الرأي الصواب باجتماعها وتداولها للرأي. كما أنه يحصل الاطمئنان للرأي الذي أسفر عنه التشاور، سواء كان تصورا فكريا أو فتوى فقهية أو قرارا عمليا. ولكي تكون الشورى إيجابية نافعة لابد أن تقترن بها أخلاقها المذكورة في الآية السابقة من سورة آل عمران؛ فتجب العناية بهاته الأخلاق لأنها تمثل الجانب الإنساني الذي يتكامل مع الجانب الإداري المتمثل في المساطر المنظمة للشورى والإجراءات التي تيسرها.

وبناء على الحرية والشورى اللتين تَقَدَّمَ معناهما سالفا، نطالب الفرد باحترام العهود التي رضيها، وقَبِل الطريقة المتبعة في إبرامها وإقرارها.

إننا نحرص على احترام عهودنا والوفاء بها، ويحاسب بعضنا بعضا على ما التزمنا به منها، فما كان منها ثابتا بالكتاب والسنة مما يتم به عقد الإسلام والإيمان، فلا نحتاج فيه إلى تشاور واتفاق؛ لأنه شرط أوَّلي للعمل في إطار حركة التوحيد والإصلاح، فلا يقبل من الفرد التفريط فيه. مثل توحيد الله تعالى وفعلِ ما أمر به وأوجَبَه، واجتنابِ ما نهى عنه وحرَّمَه. وما عدا ذلك من أعمال الدعوة التي تقوم بها الحركة فنُفَرِّقُ فيها بين ما اتفقنا عليه بالتشاور بيننا، وبين ما هو رهن النقاش. فما صدر فيه قرارٌ فنحن ملزمون به شرعاً، لأن الشورى لا تستمر إلى غير نهاية، بل بعدها يكون العزم والتوكل على الله، وإنفاذ المتفق عليه. ولا فرق في إلزامية القرار الصادر عن التشاور بين من كان يؤيده ومن كان يعارضه إذا صدر بصورة صحيحة مشروعة. وما لم نتشاور فيه، أو تشاورنا فيه ولم نتخذ فيه قرارا بعدُ، فهو مفتوح للتفكير والاجتهاد، ومن حق كل فرد داخل الحركة أن يدلي برأيه، ويبلغه إلى من يهمه الأمر. وعليه أن يبتغي به وجه الله، ويتحرى فيه الصواب. كما أنه من حق كل فرد على الحركة أن تقف إلى جانبه إذا مُنِعَ من التعبير عن رأيه، ومن واجب الحركة أن تقف في وجهه إذا اشتَطَّ في استعمال هذا الحق على حِسابِ الشورى والتزاماتها. وذلكم ما نعبر عنه في أدبياتنا بعبارة: الرأي حر، والقرار ملزم.

إن أهمية هذا المبدأ عندنا في حركة التوحيد والإصلاح تتأتى من أن المبادئ السابقة لا تتحقق إلا بشرط الحرية وركن الشورى، فلا إخلاص بدون حرية، ولا إيمان بلا اختيار، ولا دعوة تكون بالإكراه؛ بل إن الحرية هي المبرر الموضوعي لوجود الوظيفة الدعوية السامية التي انتُدِبَ لها الأنبياء والمرسلون، وسار على دربهم الأمثلون، فلو شاء الله تعالى لقضى بالإيمان على الأمم جميعا، ولحملهم عليه حملا. ولكنه اجتبى رسله من خلقه، وسخر لهم من فضله ما يجعلهم أقدر على الإقناع والإفهام، وطهرهم واصطفاهم ليضطلعوا بمهمة الدعوة إليه، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمُو أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل 93). كما أنه لا سداد ولا رشاد إلا بالشورى، ولا نقصد بها ما يصطلح عليه بالشورى المُعْلِمَة التي ليست إلا طلاء على التجمعات، وزينة للمجالس والمنتديات. وإنما قصدنا الشورى الملزمة التي لا تتمخض إلا عن الجد الذي عَرَكَتْهُ العقول وقلَّبَتْهُ على وجوهِه الأنظار واشتبكت في مِضْمارِه الآراء وبُذِلَت فيه النصيحة بِصِدْقٍ وتجَرّد وموضوعية وحياد، قدْرَ ما تُطيقُهُ النفسُ البشرية، وتتيحه مقامات التفكير الجماعي، وطرائق اتخاذ القرار.

   سادسا: العمل المؤسساتي

وقد جعلناه من مبادئنا الأساسية لأنه من ضرورات العمل الناجح، وسنن الله تعالى في الاجتماع الإنساني. ومن المعلوم أن أهم ما يميز التجربة الدعوية للحركات الإسلامية المعاصرة ارتباطها بفكرة التنظيم والعمل الجماعي المنظّم واحتفاؤها به وإبداعها فيه. وهي بذلك إنما تترجم مبدأ التعاون على البر والتقوى الذي أوصى به الرحمن في القرآن أنْ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ) (المائدة 3).

فالعمل الجماعي المؤسّساتي بصورته الملتزمة بالشرع مبدأ أصيلٌ، ووسيلة ضرورية تستمد أهميتها من العقل الذي يحكم بضرورة التنظيم والتخطيط لكلِّ أمْرٍ، وفي كل أمرٍ، ناهيك عن الاجتماع عليه والاحتشاد له بحسب أهميته وخطورته؛ ففي التخطيط والتنظيم اقتداء بسنن الله في الخلق، إذ الكونُ كلُّه خاضعٌ لنظام دقيق، والمخلوقات فيه متآزِرَةٌ ومتكامِلَةٌ يَتَحَقَّق بتآزُرِها وتكامُلِها التوازن والاستقرار. كما تستمدُّ هذه الوسيلة أصالتها من النقل الصحيح، بناء على مختلف النصوص التي تأمر بالتعاون على البر والتقوى، وتأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، وتندب إلى التخطيط، وتلفت الانتباه إلى أهمية الاستشراف، وإلى أن في ذلك اقتداءً بسنة الله في الكون، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في اعتماد التخطيط وجمع الطاقات واستثمارها بطريقة منظمة. وقد علَّمنا القرآن ذلك على لسان يوسف عليه السلام: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ، ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)(يوسف 47 – 49).

والمقصود أنه من المفيد للعمل الإسلامي أن يكون بطريقة جماعية منظمة، فيأخذ صورة مؤسَّسة ذات هيئات ولجان وأطر ووثائق وبرامج؛ تتحرك في المجتمع، وتقوم فيه بواجب البلاغ المبين. وتلكم هي الصورة المقابلة للعمل الانفرادي الذي يعتمد فيه كل فرد على اجتهاده الشخصي وإمكاناته الفردية وليس فيه جمعٌ للجهود ولا توحيدٌ للصفوف ولا عملٌ بروح الفريق، وليس فيه اعتمادٌ للتخصص والتكامل، ولا فيه تكافل بين أنواع العمل الإسلامي.

وإن جسامة المهمة الدعوية اليوم لتؤكد أهمية وضرورة العمل المنظم المؤسس على رؤى واضحة، والمنطلق من مبادئ راسخة، والماضي على منهجية متينة، والرامي إلى مقاصد معلومة، ثم هو يدبر كل ذلك وفق منهج سليم تخطيطا وإدارة وتسييرا وتدبيرا ومراجعة وافتحاصا وتقويما وتطويرا. وكل ذلك من أجل الاضطلاع برسالته النبيلة، والوصول إلى غايته الحميدة، متشوفا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالَى يحبُّ إذا عمِل أحدُكم عملًا أن يُتقِنَه »([9]).

إن مفهومَنا للعمل المؤسّساتي هو تطوير لمفهوم العمل الجماعي المنظم الذي نؤمن بأنه من ضروريات المشروع الإصلاحي الناجع؛ غير أنه أدقُّ منه وأخصّ باعتباره ناطقا بما طوّرناه من مفاهيم دعوية وحركية وتنظيمية، كمفهوم “الرسالية”، وفلسفة التخصصات، والعمل بالشراكات الخ.. وهو إلى ذلك متضمن للمعاني التي يحيل عليها مفهوم العمل الجماعي المنظم. فكلُّ عَمَلٍ مؤسساتي عملٌ جماعي منظَّمٌ، وليس كلُّ عملٍ جماعي منظَّمٍ عملاً مؤسساتيا. إن في المؤسسة تجاوزا للفردانية، وبراءة من الارتجالية، وأخذاً بأسباب النجاح في العمل المؤسساتي؛ مِن وضعٍ لمساطِر العمل بمستوياته المختلفة، واحترامٍ لها، وافتحاصٍ للعمل بمقتضياتها وتطويرها، ورصدٍ لمؤشرات إنجازها ومتابعتها، وما يكون قبل ذلك من وضعٍ للمخططات الاستراتيجية والمرحلية ومتابعة لها، وتحديدٍ للمسؤوليات والوظائف بالقياس إلى حاجتها وضرورتها، ثم رصدٍ “للموارد البشرية” المناسبة للاضطلاع بكِفائها، لا بتفصيلها على مقاساتِ الأفراد أو تخليدها لأحد من الناس، ولا بِرهنِها لكفاءة من الكفاءات.

ويتأطّر عملنا المؤسساتي بمجموعة من القيم الأساسية: 

الإحسان، والأخوّة في الله، والالتزام والمسؤولية، والاستقلالية.

1. الإحسان:

يتمثَّلُ البُعدُ الإحساني في عملنا المؤسساتي في عقدنا نية السَعْيِ لإتقان عَمَلِنا، وتحرينا لضبطه تنظيميا وإداريا وقانونيا، وجعله في سبيل الله. وإذا كانت الدعوة إلى الله تعالى من أفضلِ الأعمال وأجلِّها فإنَّ تَحَرِّيَ الإتقان فيها لَمِمَّا يجب لها. ومن ملامح هذا البعد، التوكل على الله تعالى. فلا نَكِلُ عملنا وجهدنا إلى أحد، ولا نراه خاصّا بأحد، ولا نعتبره ملكية لأحد. بل المنتسب إليه مُنْتَسِبٌ إلى شَرَفِ العمل في سبيل الله، ومُبْتَغٍ مَرْضاةَ الله تبارك وتعالى في إطاره.

2. الأخوّة في الله:

إن العمل الجماعي بشكل عام، والمؤسساتي منه بصفة خاصة، قد يقتضي بناء علاقات تقوم في أصلها على التعاقد الصارم، والالتزام الحازم بالقوانين الداخلية والأساسية المعمول بها والمتفق حولها، والاحتكام إليها. وهذا قد يحيل إلى نوع من التضاد مع ما يفترض في الجماعة المؤمنة من معاني التراحم والتآخي، وخفض الجناح، وإقالة العثرة، واعتبار السابقة، وقبول العذر، والتخلق بنوع من التغاضي الذي يتيح لوشائج المحبة أن تشتد وتُمَتَّنَ. والعمل التنظيمي والإداري فيه من صرامة القانون وبرودة الأرقام وحياد المؤشرات ما ينفّر من لا يرى في المشاريع الحركية والدعوية غير نوادٍ للأخوة والتحابّ. والحقٌّ أن نسعى إلى أن ننسج على المنوالين، ونوفِّق بين الأمرين، لأنهما معا يرسمان الصورة التي نصبو إليها ونتمثلها، مستلهمين سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وصحبه الأكرمين رضوان الله عليهم. ونحن نعتبر أن العمل الإسلامي المتوازن هو الذي يفي بشرطي الأخوة والالتزام.

إننا إخوة في الله، نجتمع على محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة دينه الحنيف، ومحبة عباده الصالحين، ومحبة الخير لخلقه جميعا. فمحبتنا لله تعالى ورسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم ورسالته السمحة منطلق لنا، وباعث لهمتنا، ومنهض لأمرنا، ودافع لنا إلى ما نحن فيه. وأما محبتنا للمؤمنين، فهي محبة في هذا الأمر الذي هدانا الله تعالى إليه، ونحن نسعى إلى خدمتهم، وإلى تحفيزهم لنتعاون جميعا على خدمة دين الله تعالى وخدمة أمة الإسلام وخدمة الإنسانية جمعاء.

والمسلمون جميعا مرتبطون بأخوة الإسلام ومودة الإيمان؛ وهذا أصل نؤسس عليه العلاقات التي تجمع فيما بيننا داخل التنظيم، والعلاقات التي تجمعنا مع كافة المسلمين، باعتبارها علاقة سابقة وغالبة على علاقات التعاون والتشارك الناشئة عن مختلف ضروب الاجتماع؛ وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:«المسلمون تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ»([10]). وحين تجمعنا علاقات الدعوة إلى الله والعمل للإسلام والتعاون عليه، فإن ذلك يكون مدعاة لمزيد من حقوق الأخوة ومقتضياتها. ولذلك وجب أن يسود بيننا الصدق والنصح والصفاء والوضوح والثقة وحسن الظن، مع التنزه عن أضداد هذه الخصال من سوء ظن أو غل أو نجوى أو تشكيك أو اتهام بغير حق ودون تبين وتيقن. وكل هذا ثابت ولازم في حق جميع المسلمين، فكيف بمن تجمعهم روابط إضافية، ويتعاونون على فريضة عظمى ورسالة عليا؛ تستوجب صفا مرصوصا وبناء متلاحما متينا.

وإننا إذ نؤمن بأن بلدنا المغرب؛ بلد مسلم دولة وشعبا؛ فإننا ننطلق في تعاطينا مع مجتمعنا – الذي نعتبره محلاًّ لدعوتنا، وموضوعا لجهودنا- من منطلق الأخوة والموالاة الإسلامية والوطنية وكذا الإنسانية، ونراه شرطا فيما نريد من الخير ونبتغي من الإصلاح. كما أننا نعتبر من يحمل معنا قليلا أو كثيرا من مسؤولياتنا الدعوية والإصلاحية، أو يتقاسمها معنا، من أي موقع وفي أي إطار؛ نعتبره منَّا وإلينا، وداخلا في دائرة أخوتنا وموالاتنا، كلٌّ بحسب موقعه وقدره.

وأما محبتنا للخلق أجمعين فمصدرها من إيماننا بعظمة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، وأن فيها الخير للناس أجمعين. إنها امتداد للمبدأِ الراسخ الذي نؤمن به وهو أن “الإسلام هو الهدى”. فإذا كنا ندعو الناس إلى هذا الخير، فشرطٌ علينا أن نحبهم؛ لأن المرء لا يحب الخير إلا لمن يحب. ونحن إخوة في الإنسانية قبل كل شيء وبعد كل شيء. ونريد لهذه الإنسانية الهداية التي نؤمن بها، ونرى لها فيها الخير والسعادة والسلام.

3. الالتزام والمسؤولية:

إن أخوتنا الدعوية والتنظيمية، لا تلغي بدورها ما يجب أن يقوم في المؤسسات الجادة من صنوف الإجراءات الضابطة لعمل الأفراد فيها. وعمل حركتنا عملٌ جماعي مؤسساتي، ولكن الجماعة أساسها الفرد، به تكون قوتها، ومنه يجيء ضعفها. والفرد في حركة التوحيد والإصلاح عضو له كامل الحقوق، ومطالب بما عليه من الواجبات. وهو متعاقد متطوع؛ متطوع بوقته وجهده وماله، متعاقد على ذلك وفق ما تقتضيه بنود العضوية المنصوص عليها في القوانين واللوائح المنظمة لعمل الحركة. وقد أمرنا الله تعالى بالوفاء بالعقود، فقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(المائدة 1).

وتضْمن العضوية في حركة التوحيد والإصلاح حقوقا في مقدّمتها الحق في الاستفادة من أعمالها التربوية والتكوينية، وفضاءات عملها ومقراتها، وفق القواعد المعمول بها عندها، وكذا الحق في المشاركة في محطاتها الشورية المختلفة، وحق التصويت والانتخاب…وما إلى ذلك. كما تستتبع هذه العضوية واجباتٍ أساسية؛ في مقدّمتها الاستقامة على دين الله، والوفاء بمقتضيات العضوية تربويا وتنظيميا وماليا وسلوكيا.

إنّ الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، والإسهام في إصلاح شأن الأمة، ليس بالأمر الذي يجوز التعاطي معه برخاوة وتجوّز. إنَّه أمْرٌ جِدٌّ لا يقل جدية وأهمية عن الأعمال الأخرى التي تتصل بمعاش الناس، بل يزيد عليها، لكونه متصلا بسعادة الدارين. والمؤسسة إنما هي مجموعة من المهام والمسؤوليات والحقوق والواجبات، فإن لم ينضبط لها الفرد، أوشكت أن تضيع المؤسسة وما قامت لأجله من بعدها.

ولذلك فإنَّ العضوية في حركة التوحيد والإصلاح تقتضي التزاماً بجملة أمور ومسؤوليةً عنها بما يمليه سياقها ويقتضيه مجالها. كما أن الاضطلاع بأية مهمة في حركة التوحيد والإصلاح يقتضي أيضا التزاما بها وأداءً لها في وقتها المحدَّد، وبالكيفيات المتَّفَقِ عليها، والحصول على النتائج المرجوّة وفق ما تم وضعه من معايير الجودة في الإنجاز كمّاً وكيفاً.

وكما أن العمل في إطار حركة التوحيد والإصلاح هو عمل تطوعي، فإن العضو فيها مطالب شرعا وأخلاقا بالوفاء بما تطوع لأجله. فالانتماء إلى حركتنا خيارٌ حرٌّ للفرد المؤمن، يتخذه أنى شاء، ويتخلى عنه متى شاء. ولكنه في حالة استمراره في العضوية فإنّه مطالبٌ أخلاقيا بالوفاء بما تعهَّد به. فلا إلزام إلا للملتزم، ولا تكليف إلا لمن قبل التكليف؛ ثم الله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

ولما كان عملنا الحركي عملا منظّما مبنيا على التّخطيط والمراجعة والمحاسبة وقياس الأثر والمتابعة واستشراف المستقبل، كانت المسؤولية هي الوجه الآخر للعضوية فيها. بحيث يعتبر العضو ما أنيط به من مهام العمل رسالة تكفل بإيصالها، فيحرص على أدائها على وجهها، فقد قال رَسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ([11])، وليس يهمه بعد ذلك موقعه في الحركة علا أو دنا، بل يحدوه قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : « … طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ»([12]).

4. الاستقلالية:

ونقصد بها -كما ورد في تعريف الحركة في المدخل- أنّ الحركة هيئة مدنية مغربية، تمارس أنشطتها بحرية واستقلالية في إطار الدُّستور والقانون، وأنّها مستقلة عن أي جهة داخلية أو خارجية، سواء على مستوى اختياراتها وتوجّهاتها، أو على مستوى قراراتها ومصادر تمويلها.

كما تفيدنا قيمة الاستقلالية في التمييز من جهة بين مفهومي المشروع الإصلاحي في شموليته وبين المشروع الحركي في تخصُّصه المحدَّد والمنضبط، ومن جهة أخرى بين مفهوم الرسالة ومفهوم التنظيم.

إننا نؤمن بشمولية الإسلام لجوانب الحياة كلها؛ فالله تعالى يقول في كتابه العزيز: (قُل اِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأَنعام 164). ويقول سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل 89). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»([13]). فالإسلام يمتد ليمسَّ جوانب الحياة كلها؛ ومن شُعَبِ الإيمانِ ما هُوَ ذو طابع عقدي تصوري، ومنها ما هو ذو طابع سلوكي اجتماعي، ومنها ما هو ذو طابع أخلاقي.

غير أن شمولية الإسلام لا تعني بالضرورة شمولية التنظيم، ولذلك فقد طوَّرت حركة التوحيد والإصلاح فلسفتها التنظيمية، مبلورة مفهومها التنظيمي في إطار نموذج “التنظيم الرسالي” الذي تُميِّزُ فيه بين شُمولِيَّة الإسلام وشموليّة التنظيم، وبين وحدة المشروع ووحدة التنظيم. وهو ما يعني توسيعا لمفهوم التنظيم في مختلف أبعاده الإدارية والوظيفية والبشرية. كما أنه يفتح التنظيم على إمكانات جديدة، ويجعله قابلا للتكامل مع مختلف مشاريع الإصلاح المتقاطعة معه في مستويات الاشتغال. وعليه فإن الهيئات التي تجمعنا معها -في إطار مشروعنا الإصلاحي الرسالي- صنوف الشراكات، وأنواع مختلفة من العلاقات، تبقى هيئات مستقلة بذاتها ماليا وتنظيميا وإداريا، تماما كما أن الحركة تبقى مستقلة بذاتها وقراراتها وهيئاتها.

خصائصنا المنهجية:

الخصائص المنهجية هي العناصر التي تعطي للحركة شخصيتها الفكرية والحركية والتنظيمية، وتوضح منهجها في العمل؛ فهي لواحق بالمبادئ ومُعَضِّداتٌ لها. وقد كان مما تميزت به تجربة حركة التوحيد والإصلاح أن كثيرا من خصائصها تقع في إطار ضمني تُتَرْجِمُه أعمالها، ولا تنطق به أدبيَّاتُها، فَغَلَبَ العملُ فيها على النَّظر، مما خلق الحاجةَ إلى تسديد وثيقتها الأساسية بفقرات مكملة تبرز جوانب التميُّز التي لا يكون مشروعٌ اجتماعيٌّ ذا شخصيَّةٍ مستقلَّةٍ فاعلَةٍ إلاَّ بها.

وقد جمعنا هذه الخصائص الكبرى في سبعة محاور يُرَدُّ إليها غيرُها، وهي: الوسطية، والرسالية، والتجديد، والمشاركة الإيجابية، والتعاون على الخير مع الغير، والأصالة المغربية، والسننية. فهذه الخصائص السبع أصولٌ منهجية تميز شخصية حركة التوحيد والإصلاح، وَتُحَدّد اختياراتها.

 أولا: الوسطية

تحرص حركتنا على أن تكون حركة وسطية، وتلك خَصِيصَةٌ أساسية لهذا الدين ومن انتسب إليه من المؤمنين؛ فأمة الإسلام هي أمة الوسط والوسطية. قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُو أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(البقرة 142).. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» ([1]).

والمؤمن في صلاته لا ينفك يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وفيها قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(الفاتحة 5 – 7). فالصراط المستقيم الذي أمرنا به توسُّطٌ بين إفراط وتفريط، وغلو وتقصير. والداعية إلى الله مطالبٌ بالتوسط والاعتدال في أمره كله؛ تيسيرا على الخلق، وتبشيرا لهم، وترفقا بهم، وأملا في الخير منهم. وقد عُرِف عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه ما خُيِّر بين أمرينِ إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثما.

إننا نعني بوسَطِيَّتِنا نزعتَنا إلى الاعتدال في التصورات والمواقف، والمخططات والمقاصد، والممارسات والوظائف. لأننا مطالبون بالسَّعي إلى اختيار الأفضل لدعوة الإسلام والأليَق بسبيل الإصلاح؛ ووَسط الشيء أعلاه وأفضله وأنسبه.

فأما اعتدالنا في التصورات والمواقف: فنعني به التزامنا بعقيدة التوحيد الموافقة للفطرة سماحَةً واستقامَةً في غيرِ ما جنوح إلى تعقيدات بعض المتكلمين، ولا شطحات الغالين، ولا تزيُّدات المبتدعين. ونعني به أيضا سعيَنا إلى بناء الفكرة الواضحة، والخطاب البيّن، والموقف الذي لا لبس فيه. وكذا تجاوزنا لمَواطِنِ الخلاف في الجزئيات التي تكون غالبا مظِنَّةَ فُرْقَةٍ وخِلاف، أو عَنَتٍ وإجْحاف، أو غلوٍّ وإسراف. ونحن نبني ذلك على مَرْجِعيَّتنا الأولى المتمثِّلَة في الكتاب والسنة، بما تَقْتَضيه من عِلم بها، وتَفَقُّهٍ فيها، واجتهادٍ أصيل في إطارها.

وأما اعتدالنا في المخططات والمقاصد، فنعني به حرصَنا على واقعية أهدافنا وفعالية مخططاتنا. فنجتهد وسعَنا في رصد واقعنا وشروط اشتغالنا فيه، ومعرفة إمكاناتنا وانتظارات محيطنا، وذلك لوضع الأهداف اللاّئقة والمؤشرات المناسبة؛ نزيد بذلك من جلب المصالح لأمتنا ودرء المفاسد عنها ما استطعنا إلى ذلك من سبيل.

وأما اعتدالنا في الممارسات والوظائف، فيتمثل في اجتهادنا لترتيب أعمالنا وفق المعايير التي تتراتب بها الأعمال وتتفاضل؛ كمعيار “الأولوية”، ومعيار “الوسع والطاقة”، ومعيار “النجاعة والفائدة”. قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة 19). وعَنْ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».([2]). وعن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها أنها قالت: «سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَقَالَ «اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ»([3]). فالأعمال إذن متفاضلة متراتبة، تارة بحسب أولويتها في الفائدة والمردودية، وتارة بحسب أولويتها في الوقت والزمان، وتارة بحسب أولويتها في القدرة والإمكان.

ونحن إذ ننص على الوسطية في ميثاقنا باعتبارها خصيصة منهجية لعملنا، فمعناه أننا لا نعتبرها مجرَّد شعار، وإنّما هي محدِّد منهجي تحتكم إليه خياراتنا، وتتسدَّد به توجُّهاتنا و قراراتنا.

  ثانيا: الرسالية

الرسالية نسبة إلى رسالة حركة التّوحيد والإصلاح التي اتّخذناها مَنهجا يدور العملُ معها حيث دارت، ويسير حيث سارت. والتي تتلخص في: «الإسهام في إقامةِ الدين وتجديدِ فهمه والعمل به؛ على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، وبناء نهضة إسلامية، رائدة وحضارة إنسانية راشدة؛ من خلال حركة دعوية تربوية وإصلاحية معتدلة وشورية وديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة. وتعتمد الحركة أساسا إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته. كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة، والتدافع السلمي، والمشاركة الإيجابية، والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات».

والأمة الإسلامية هي أمة رسالة بحقّ، فلا تتحدد بعرقية أو إثنية، ولا تنزع إلى قوم دون آخرين، بل حيثما وجدت الرسالة فثَمَّةَ الأمةُ، وحيثما وُجِدَ أصحابها وأبناؤها فثَمَّ أبناء الأمة، إذ المسلمون – أينما كانوا- أمةٌ واحدة. والأمة بهذا المعنى محلُّ تحقُّقٍ للرسالة وعاملُ تحقيقٍ لها، وهي بذلك لا تنفكُّ تمتَدُّ بامتداد الرسالة فيها، ومنها إلى غيرها. وكلُّ داخلٍ في عقد الأمة الرسالية منوطٌ به الانخراط في قضاياها، فالإسلام ليس دينا خاصا بطبقة أو قوم أو موطن، بل هو رسالة الله إلى البشرية جمعاء، وكل من آمن به واتبعه صار أخا للمسلمين كافَّة، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ينتمي إليهم ويمثل جزءا منهم، يهتمون بشأنه ويهتم بشأنهم، يسرُّه ما يسرُّهم، ويضرُّه ما يضرهم، قال الله تبارك وتعالى: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُو أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة 72).. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمِنِينَ فِي تَوادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»([4])، وقال أيضا: «المؤمِنُ لِلْمؤمِنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضا»([5]).

كما أن الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يكون من جهة الرِّسالة بالأساس؛ قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(الأحزاب 40). فيجب علينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة والاتباع والنصرة، وما يقتضيه ذلك من التوقير والتعظيم. وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله وخاتم النبيئين، والانتساب إليه يكون بمحبته وتوقيره، واتباعه والاجتهاد في الاقتداء به في الرسالة التي بلّغها، والأمانة التي أدّاها.

إننا نعني بخصيصة “الرسالية” استِصْحابَنا للبُعْدِ الرِّسالي في جميع شأننا؛ فما نزال نحو رسالتنا شاخصين؛ بها نكون، وإليها نسير، وعليها نلتقي مع غيرنا ممن نتقاسم معهم الهدف والفكرة كليا أو جزئيا. إن “الرسالية” عندنا هي كل ما يتم بذله فكريا وعمليا من أجل تمليك فكرتنا لمجتمعنا؛ وهو ما يقتضي مناقَضَتَنا المبدئيَّةَ والمنهجية لكلِّ مَنْزَعٍ طائِفِيٍّ قريبٍ أو بعيد، أو تقوقع على الذات، أو تمركز حولها.

و”الرسالية” هي المناقض الموضوعي لفكرة تنصيب الجماعة في مقابل المجتمع، وعضو الحركة في مقابل المواطن. إنها تجسير للعلاقة بين الدعوة ومحلها، والفكرة ومتلقّيها، والحركة ومحيطها، والفرد ومجتمعه، بحيث يتم التمثل الأمكن لقول الله تبارك وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ) (المائدة 3). وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات 13). وقوله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الحجرات 10). كما أنها تنفي الاستئثار بالفكرة دون الغير، بما يعنيه ذلك من تضخيمٍ للذات، وتزكيةٍ لها، وإحسانٍ للظن بها في مقابل تصغير الآخر وإساءة الظن به. وإنما الشأن عندنا أننا نسعى إلى خير أنفسنا وأمتنا والإنسانية في المعاش والمعاد، ونمدُّ يدنا إلى غيرنا لتحمل هذا العبء معنا بما يطيق كل طرف ويقتنع به ويرضاه. وهو ما نعبر عنه بأن واجبنا “الإسهام” بجهدنا إلى جانب كل ذوي النيات الحسنة والمقاصد النبيلة، دونما سعي للاستغناء عن الآخرين، أو ادعاء للإلمام بكل شيء.

ومن معاني “الرسالية” أن مفردات مشروعنا التنظيمية والإدارية، بل وحتى على مستوى الأفكار والرؤى، تتحوَل كلُّها إلى أدَواتٍ وظيفية ووسائل للتعاون على الدعوة والإصلاح، من أجل حسن الإسهام في “إقامة الدين”؛ وهو المقصد الأساسي المتسامي على غيره من مقاصد عملنا، ولكن قبل ذلك “ابتغاء وجه الله والدار الآخرة”؛ وهو المبدأ المتسامي على غيره من مبادئنا. فالحركة الرسالية هي التي تتكيّف إداريا وتنظيميا لتكون قادرة على تمثُّل هذا المفهوم، ولا تكون عائقا دون تنَزُّلِه في الواقع.

والحركة الرسالية توازن بين مقتضيات العمل التنظيمي وما يستتبعه من حدود وضوابط، وخصائص المشروع الرسالي وما يفتحه من إمكانات وآفاق. فالتنظيم هو وعاء يحتضن المشروع، ووسيلةٌ تتحقق بها مجموعة من أهداف هذا المشروع. ولكنه لا ينبغي أن يعوق المشروع ومكوناته، ويرهن تطوره، ويقلص من إمكاناته، ويحدَّ من آفاقه، ويحتجزه فيه. فهذه البنية تلائم التنظيمات والمشاريع الشمولية التي تتشوّه فيها الفكرة، وتنكفئ فيها الرسالة على ذاتها.

إن رسالية حركة التوحيد والإصلاح، تعني الحضورَ المكثَّفَ والفعال والمؤثرَ لأبنائها في الوسط الذي يوجدون فيه، بما يمكّنهم من الوسائل المناسبة والفعالة، ومن التوظيفِ الرشيدِ لها، وذلك من أجل الإسهام في إقامة الدين ونشر قيم الهداية والاستقامة والتزكية فيما بين أعضاء الحركة وغيرهم، وفي أي مجال من مجالات اشتغالهم. وإنَّ إضفاء الطابع الرسالي على أعمال الحركة لهو بحقٍّ الأساسُ لاستمرارها، والإطار العام لكل أعمالها، حملاً للرسالة وأداءً للأمانة، رسالة الدين وأمانة العمل به والدعوة إليه.

  ثالثا: التجديد

تنصُّ رؤيةُ الحركة على أنَّها: «عَمَلٌ إسلاميٌّ تجديديٌّ لإقامَةِ الدِّينِ وإصلاحِ المجتمع». وقد جاء في نصِّ رسالتها أنها تعني «الإسهام في إقامة الدين وتجديدِ فهمه، والعمل به». ولذلك فقد حرصت حركة التوحيد والإصلاح دائما على روح التجديد في مشروعها الإصلاحي، واجتهدت في تشجيع مبادرات التجديد والتأسيس لمشاريع بحثية تهم مجالات الفكر والعلوم الشرعية والاجتماعية، وعيا منها بأن فهمَ الدين واستيعاب تحولات الواقع يحتاجان إلى تجديد مستمر في النظر والتناول، وبأنَّ تطوير حركة مجتمعية تحمل مشروعا إصلاحيا -يسهم في معالجة الإشكالات ومواجهة التحديات التي يعرفها الوطن والأمة والإنسانية جمعاء- أمرٌ لا يضطلع به إلا المصلحون المُجَدِّدون.

كما أننا نعتبر التدين كسبا خاصا بكل جيل، وتجربةً متميزة لكل إنسان؛ لذلك فنحن نؤمن بأنَّ التجديد ضرورة شرعية وسنّة كونية. ونريده تجديدا مستحضرا لجهود السلف الصالح رحمهم الله، ومستوعبا لاجتهاداتهم؛ من دون جمود على خلاصات السابقين، ولا تحلل من كل رابط مكين، بل منطلقا من الكتاب والسنة، متأسسا على مقاصد الشريعة، مُسَدَّدا بالضوابط العلمية والقواعد المنهجية، منفتحا على كل ما هو نافع وصالح ومفيد مما أنتجته العقول والتجارب الإنسانية للمسلمين ولغير المسلمين، لأن الإسلام يهدي إلى ذلك ويدعو إليه.

ولخصيصة التجديد أصولها الإيمانية والتصورية عند حركة التوحيد والإصلاح. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»([6]). وقال عليه الصلاة والسلام: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ»([7]). والمؤمن لا ينفكُّ ناظرا بعين التقصير إلى أدائه في طريقه إلى ربه عبادةً ودعوةً وجهادا، فلا يتحقق بمقام إلا ويصبو إلى ما بعده، وعينه على قول الله تبارك وتعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)(النجم 31). وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»([8]).

إنَّ هذا النظر إلى التقصير الملازم للإنسان المسلم مهما كان علمه واجتهاده، دفعٌ نحو مزيد من التسديد والتطوير للعلم والعمل في الطريق إلى الله تبارك وتعالى. ولذلك فصاحبُه يتوسل بكل ما من شأنه أن يبقي الحياة في أوصال الفكرة، ويمدها بأسباب القوة والاستمرار. كما أن العملَ لا يكتسب مصداقيته وفعاليته إلا بقدر تمثُّله لحقيقة ورودِ النقص عليه، وأسباب البلى التي تسرع به إلى الضعف مالم يتدارك نفسه بأسباب التقويم والتجديد. ولذلك فإننا نعتبر محطات التقويم والمراجعة والنقد هي الوجه الآخر لهذه الخصيصة المنهجية عظيمة الأهمية، وذلك من خلال محطاتنا الشورية ومنتدياتنا الفكرية.

إن خصيصة التجديد في حركة التوحيد والإصلاح تتجلى على مستويين متراكبين: مستوى علمي فكري، ومستوى عملي تطبيقي. فأما على المستوى العلمي والفكري، فتتمثل فيما بلورته من تصورات، وطوَّرَته من مناهج ورؤى دعوية وتربوية وفنية وسياسية، وفي اجتهاداتها في كثير من القضايا والمستجدات الاجتماعية والسياسية والتشريعية، وفي رصيد أبنائها ورجالاتها محاضرةً وكتابةً وتأليفاً أغنَوا بها المكتبة الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية. ومن ذلك اجتهادها المتمثل في الانتقال من التركيز على مطلب “إقامة الدولة” إلى اعتبار مقصد “إقامة الدين” الأساس السليم والأصل الجامع للعمل الإصلاحي الإسلامي.

وأما على المستوى العملي التطبيقي فتتمثل خصيصة التّجديد في مجموعة من الاجتهادات التي جرى العمل بها عند الحركة في المجالات التربوية والتنظيمية والدعوية: ومن ذلك انتقالها من شعار “نشر التدين” إلى “ترشيد التدين”. واعتمادها ديموقراطية متخلقة تقوم على الصدق والأمانة والشفافية وحرية التعبير؛ وهي ديموقراطية متحققة في جميع هيئاتها مِن أدنى سلمها التنظيمي إلى أعلاه. ومن ذلك أيضا تحديدها لمدد المسؤوليات القيادية بها في ولايتين؛ حتى لا تكون المسؤولية والقيادة مرتبطة بالأشخاص، وحتى تضمن الانتقالات السلسة والمحمية قانونيا من شخص إلى شخص، ومن جيل إلى جيل.

ومن أهم مظاهر التجديد على المستوى العملي تمييزها بين العمل الدعوي الحركي وبين العمل السياسي الحزبي، حتى يقوم كل منهما بالدور المنوط به على أكمل وجه.

   رابعا: المشاركة الإيجابية

إننا إذ نعتمد في حركة التوحيد والإصلاح منهجا وفكرا مقاصديين، ننظر بهما في المآلات ونوازن بين المصالح والمفاسد، ونسدد ونقارب فيما يستجد لنا من ظروف، متجهين صوب مقاصدنا الكبرى نروم تحقيقها، فإننا نسعى إلى مشاركة غيرنا في مختلف مشاريع الإصلاح متى ما كانت مشاركتنا مشاركة إيجابية تبشر ولا تنفر، وتقرب ولا تبعد، وتصلح ولا تفسد، ونراها أوْكَدَ في مشاريع الإصلاح، وألْيَقَ بالدعاة المصلحين من الوقوف على أطراف الحياد السلبي أو المفاصلة العملية والميدانية التي تتيح للفساد أن يستشري وللباطل أن يستمر.

وقد لزمتنا خصيصة “المشاركة الإيجابية” في كل مراحل مشروعنا، وغدت تسكن كل أعمالنا وإليها تعزى -بعد توفيق الله وفضله- كثيرٌ من الإنجازات العملية والتصورية التي ميزت تجربتنا. ولذلك فقد ارتقينا بهذا التوجه الغالِبِ علينا إلى مرتَبَةِ “الخصيصةِ”، لأنه مُمَيِّزٌ لِسَيْرِنا ونشاطنا. ولقد قَدَّرْنا دائما أنَّ المشاركةَ في الخير مهما كان ضئيلا هامِشُه، أو قليلا عائِدُه، أو بعيدا مَرامُه، أو عسيرا مَسارُه، خيرٌ من الامتناع عنه، وتأجيلِ الدخول فيه، والإصرار على اكتمال شروطه؛ يحدونا قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِى يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»([9]). وقد دافع القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم حين عاب عليه المشركون أنه من الناس وفيهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْاَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)(الفرقان 7)، إلى أن يقول الحق تبارك وتعالى مبيِّنا أن ذلكم سيرة المصلحين: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْاَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً اَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)(الفرقان 20).

إلاّ أنّنا نريدُها “مشاركة إيجابية” تحقِّقُ النفعَ للمسلمين، وتنصلح بها أحوالُ البلاد والعباد؛ فلا نريدُها لذاتها، ولا نسعى إليها بغير ما رؤية وقناعَة وفَهْم، إذِ الشَّأنُ الرسالة والدعوة والإصلاح. وإذا كانت رساليتنا تقتضينا مشاركة غيرنا في كل ما هو صلاح وإصلاح، فإنها تقتضينا الاحتراز من أن نصبح مساهمين في فساد أو متظاهرين على إفساد. فهي مشاركة إيجابيةُ المبعث، إيجابية المسعى، إيجابية المقصد، وليست سلبيةً بحال من الأحوال.

   خامسا: التعاون على الخير مع الغير

وهذه من أهم خصائص عملنا القائم على إيمان عميق بأن جميع المشاريع الإصلاحية التي نعمل فيها أو نطمح إليها إنما هي حقٌّ للجميع وواجب على الجميع، وما نحن فيها إلا شركاء ومتعاونون، وأصحاب أسهُم تزيد أو تنقص؛ وأنَّ جهودَنا في أي مجال مهما بلغت ومهما نجحت، فلن تكون كافية ولا مستغنية عن جهود غيرنا وطاقاتهم وعطاءاتهم. فحيثما كان خيرٌ يتاح لنا فيه بعضُ مساهمة إلا ورأينا بأنَّه من واجبنا أن نتعاون عليه مع غيرنا.

وإنَّ رؤيةَ الحركةِ لمشروعِها باعتباره عملا إسلاميا تجديديّا لإقامَةِ الدِّينِ وإصلاحِ المجتمع لا تعني أننا نرشِّحُ أنفسنا وحدنا لإنجاز هذا المشروع، وإنما تعني أننا نضع أنفسنا ضِمْنه وعلى سِكَّته وفي خدمته، ونأخذ بنصيبنا منه وبسهمنا فيه. وبناء عليه، فالحركة تسعى -بحسب جهدها واجتهادها- إلى توظيف ما أمكنها من الطاقات الإصلاحية داخل المجتمع، وإلى تمليكها هذه الأدوار الإصلاحية التي تضطلع بما أمكنها منها. وذلكم هو المنهج الرسالي لحركتنا الذي يلخِّصُه شعار:”وحدة المشروع عِوض وحدة التنظيم”. وهو ما يسهم في خلق مجال حيوي للتعاون المثمر الذي يترجم قناعتنا الراسخة بأن الورش الإصلاحي الذي نعتبر أنفسنا من أهله، وننتدب مؤسستنا للإسهام فيه، ورشٌ كبيرٌ وهام وطويل. وقناعتنا الراسخة أن مجال العمل فيه رحب وفسيح، وأن كثرة العاملين على اختلاف مشاربهم فيه لأمرٌ ضروري وطبيعي. وأنه لا سبيل إلى إصلاح حقيقي في مجتمعاتنا بغير تضافر قِوى الإصلاح المختلفة كلٌّ في مجاله وعلى قدر طاقته وبحسب إمكاناته.

وإن من مقتضيات هذه الخصيصة أن نتعاون مع جهات متعددة ومتنوعة؛ نتعاون مع الدعاة العاملين خارج حركتنا، سواء كانوا أفرادا أو جماعات، هيئات شعبية أو مؤسسات رسمية، لأنَّ وحدة المرجعية أو المقصد تجعل المتفق عليه أوسع بكثير من المختلف فيه، ففي التعاون عليه فسحة واسعة. ونتعاون مع مختلف الفاعلين وقوى الإصلاح في وطننا وفي باقي البلدان الإسلامية، كلٌّ بحسب ما تجمعنا به من مبادئ وقيم أو نشترك فيه من مقاصد وأولويات. وإن هذه الخصيصة المنهجية الغالية لتتجاوز كل هؤلاء إلى غيرهم ممن تجمعنا معهم علاقات التعارف؛ مصداقا لقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات 13). وقوله سبحانه وتعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمُو أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة 8).

   سادسا: الأصالة المغربية

إن حركتنا حركة متجذرة في مجتمعها ووطنها وأمتها، وأصيلة في ثقافتها وبيئتها، نابتة من تربتها، ماتحة من ينبوعها، قاصدة لصلاح أهلها وبلدها والأقرب فالأقرب من أمتها والناس أجمعين. وهي أصالة تتجلى في منهجها الإسلامي الأصيل المعتمد على أصول الدين الحنيف، والتفاعل الإيجابِي مع إجماع الأمة، والاعتزاز بالاختيارات المغربية في التدين والتمذهب دونما تعصب ولا انغلاق، والتّمسك بثقافة مجتمعها المغربية بمختلف روافدها وتجلياتها.

ولقد كان من أوائل اختيارات حركة التوحيد والإصلاح أن جنحت إلى عدم تبعيتها لأية حركة إسلامية من خارج المغرب؛ دونما انغلاقٍ دونها، ولا تَنَكُّرٍ لاستفادتها من مدارسها المختلفة وأعلامها الرواد، ولا جحودٍ لسَبْقِها وفضلها. فنحن نؤمن بأن بلدَنا بلدٌ عريق في إسلامه، عظيم في عطائه الحضاري، وأنه كان وما يزال مصدر إشعاع وإلهام في محيطه الإقليمي والدولي، باعتباره أحد أقطار الإسلام الكبرى. وإننا بِتجذّرنا في تربتنا نكون أقدر على أداء رسالتنا الدعوية والإصلاحية، وأقرب إلى هويتنا الثقافية التي انصهرت في بوتقة الإسلام مع عناصر أخرى أسَّسَت لتميُّزِ نموذَجِنا تاريخيا وحضاريا. فأصالتنا أصالة إغناء وإثراء للأمة الإسلامية بشكل عام، وليست تقوقعا على الذات، ولا انعزالا عن بقية إخواننا من المسلمين على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم.

كما تهتمُّ الحركة بالاختيارات المغربية في التدين والتمذهب؛ سواء تعلق الأمر بمذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس في الفقه، أو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في العقائد، أو بطريقة الإمام الجنيد في السلوك، أو بقراءة الإمام نافع للقرآن الكريم رضي الله عنهم أجمعين. وقد تميَّزَ مسلكُ حركة التوحيد والإصلاح على هذا المستوى بتعميق فكري، وتأصيل علمي، وتفعيل عملي. يتجلى ذلك في اهتمامها المتزايد بالتراث العلمي المغربي في مختلف المجالات، وتبَنِّي العمل عليه والتعريف برجالاته والاستفادة من إنتاجاتهم في برامجها التربوية والتكوينية ومشاريعها الإصلاحية. كما يتجلى أيضا في عدم جمودها على هذه الاختيارات جمودا يقطعها عن الانفتاح على رحابة التجربة الفكرية والمذهبية الإسلامية، بل تدعو إلى جعلها مكسبا يجب استثمارُه في مشاريع الدعوة والإصلاح، والاستثمارُ فيه بتجديده والاجتهاد فيه وتطوير مناهجه واستئناف القول في إطاره بلغة العصر، وللجواب عن مشكلات العصر والتفاعل مع قضاياه.

إننا نعني بخصيصة “الأصالة المغربية” أننا نسعى إلى إنصاف تراثنا الإسلامي المغربي علميا وثقافيا وحضاريا، والاستفادة منه ومما يزخر به من عناصر الإبداع والتميز والنبوغ. ونسعى كذلك للتعريف به وتقديمه إلى أجيالنا وأبناء وطننا، وإلى الأمة الإسلامية، وأبناء الحركة الإسلامية فيها؛ لقناعتنا بأنه يَعِدُ بالخير والنفع للأمة بكاملها؛ فإن من حق تراثنا وعلمائنا ورجالاتنا علينا، وكذا من حق أمتنا الإسلامية ودعاتها علينا، أن نقدم لهم هذه الخدمة ونؤدي هذا الواجب.

 سابعا: السننية

يعلمنا القرآن الكريم أن الله تعالى خلق الكون وبثَّ فيه سننا ظاهرة وباطنة يسير عليها. وأمرنا بالسير في الأرض وفق هذه السنن، وتلمس آثارها واستكشافها والتعبد بذلك. وقد قدَّرَ الله سبحانه نواميسَها وهدانا إلى معرفتها، فقال عز من قائل: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(الأَعلى 1-3)، وقال: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ)(الأَحقاف2). ووصف المتفكرين فيها والمتأملين في حكمتها بأولي الألباب، فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْاَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(آل عمران 190 – 191). ووعدهم بأن يهديَهم إلى سبيل معرفتها بحسب اجتهادهم وتوفيقه لهم، فقال: (سَنُرِيهِمُو آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُو أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(فصلت 52)  وقال : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمُو آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(النمل 95). والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، وكلها نَدْبٌ إلى السير في الأرض والنظر في الخلق؛ واستشفاف الآيات في الآفاق والأنفس لتسخيرها ومعرفة الله من خلالها، وحسن عبادته وطاعته، والفهم عنه فيها.

وليست سننُ الله مقتصرة على الآفاق والأنفس وحسب، بل إن ثمة سننا اجتماعية وتاريخية لا يستغني العامل في مجال الدعوة والإصلاح عن معرفتها والأخذ بها. فالله تعالى يقول: (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد 12)، ويقول سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأَنْفال 54). ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتعيّن على الداعية والمعلّم ومن في مقامهما أن يأخذَ بمجموعة من الأسباب حتى لا يأتي عملُه بغير مقصوده، حين قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما أرسله إلى اليمن: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً ( تُؤْخَذُ ) مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ»([10]). وروى الإمام مسلم عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»([11]).

كما أن المؤمن وهو يتعاطى مع السنن ويجتهد في فقهها لا يَقْصُرُ نظرَه فيها على الوجود المادي، سواء تعلق الأمر بالسنن الكونية أو النفسية أو الاجتماعية أو التاريخية، بل يجمع إليها السنن الروحية أيضا، على اعتبار أن دنياه موصولة بأخراه، وعالم الشهادة بالنسبة إليه موصولٌ بعالم الغيب. فالتقوى سببٌ للفرج، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغٌ اَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)(الطَّلَاق 2 – 3)، وهي طريقٌ للعلم والمعرفة، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة 281)؛ والصبر سببٌ للبشرى والنصر قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الاَمْوَالِ وَالاَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(البقرة 154 – 156) وقال : (أَمْ حَسِبْتُمُو أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)(البقرة 212)، والتوكل الحق سبيلٌ إلى الرزق المبارك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوا خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» ([12]).

وإن العمل الدعوي والإصلاحي اليوم لفي حاجة إلى اتباع هذا المنهج الرباني النبوي؛ لأن الاستخفاف بالسنن، وعدم الأخذ بالأسباب، والقفز على طبائع الأشياء، والتصرف المعتمد على الارتجال وردود الأفعال، يُفضي عادة إلى مصائب وكوارث تعود أضرارها على الدعوة والأمة، وترجع بها إلى الوراء. بل إن في ذلك قلة أدب مع الله سبحانه وتعالى الذي برأ هذه الأكوان؛ وفطرها على ما هي عليه؛ وأودعها هذه النّواميس والأسباب.

والمرء حين ينظر إلى ما استشرى في أمتنا من ضروب الفساد، يجده حصيلة عقود من التخريب المتعمد والإفساد المدروس، يضاف إليه قرون من الانحطاط والتراجع والضعف. فلا يمكن للحركة الإسلامية ولكافة الجهود الإصلاحية أن ترفع هذا الفساد بدون الأخذ بأسباب الإصلاح التي يحصل بها النجاح، وحسن التّوكل على الله تعالى قبل ذلك وبعده حتى يتحقق لها الفلاح.

وقد علّمنا القرآن أن نحُث السير ونُحسِنَه، ونترك النتائج لمشيئة الله تعالى وحكمه؛ قال سبحانه: (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمُو أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)(الرعد 41). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِى يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا »([13]).

إن السننية تعني -فيما تعنيه- حسنَ الإصغاء إلى رسائل الوجود في مختلف أبعاده، فلا يستغشي المؤمن ثيابه ويصرف نظره عن حقائق الوجود وإكراهات الواقع، كما لا ينبغي له أن ينزل عن صهوة الإرادة والتوكل والفرص التي تتاح أمامه. فالأعمال بحسب سياقها. وكفى بالصلاة التي هي عمادُ الدين مثالا مفيدا في هذا الباب؛ لارتباطها بالأوقات التي لا يجدُرُ بالمؤمن تأخيرُها عنها أو عدمُ أدائها في وقتها متعلِّلا بالانشغال في عظيم من الأعمال؛ إذ الأعمال وأهميتها منوطةٌ بالسياقات والأحوال والأوقات، فإذا حان وقت الصلاة رجَحَت ما سواها في ساعتها ولم يفْضُلها غيرها فيها. وكذلك في سائر الأعمال الدعوية والإصلاحية. وهو ما يشير إليه القرآن الكريم حين قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)(النساء 76).

إننا نعني بـ”السننية” إجمالا حسنَ الفهم عن الله في مشيئته، وحسنَ الفهم عنه في شريعته. وهو ما يلزم المسلم بشكل عام، والعامل في مجال الدعوة والإصلاح بشكل خاص حتى يكون أقرب إلى الوفاء بمقصوده، ونيل مطلبه ومرغوبه. وإن “السننية” خصيصة ملازمة لنظر حركة التوحيد والإصلاح في مقاربتها لظواهر مجتمعها، وثابتة في تعاطيها معها، تنطق بذلك طرائق عملها واستفراغها وسعها تنظيرا وتأطيرا، وتخطيطا وتحضيرا، وتسييرا وتدبيرا، متوكلة على الله سبحانه من قبل ومن بعد، وسائلة التوفيق منه سبحانه وتعالى. 

المرجع: ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، طبعة 1440هـ/2019م

فيلم وثائقي جديد عن حركة التوحيد والإصلاح

ميثاق حركة التوحيد والإصلاح (نسخة1440هـ/2019م) يحدد هذا الميثاق مرجعية الحركة، ويوضح مبادئها ومنهجها ومقاصدها ومجالات عملها، ويكونَ الأساس الذي تبنى عليه الوثائق التفصيلية الخاصة بالتصورات وبرامج العمل. وحتى تكون لهذه الحركة شخصيتها المعنوية المستقلة عن الأفراد، ويمكن لأعضائها أن يعرفوا ما هم مجتمعون عليه، وشرح ذلك لمن يريد الانضمام إليهم والعمل معهم ومشاركتهم في بعض شأنهم. لتصفح أو تحميل الميثاق 

  
الرؤية التربوية   الرؤية التربوية إطار نظري يحدد المفاهيم والمنطلقات والوسائل لتحقيق الأهداف التربوية، إذ تتضمن هذه الوثيقة عرضا لمفهوم ومقاصد التربية، كما تتضمن مصادرها وخصائصها والمناهج المعتمدة في العملية التربوية بمختلف مراحلها.   لتصفح أو تحميل الرؤية التربوية
  
الرؤية الدعوية   الرؤية الدعوية تحدد اجتهادات الحركة واختياراتها في ممارسة العمل الدعوي وفي تحديد أولوية ومواصفات الخطاب الدعوي الذي تعتمده، بعد التذكير بأهمية الدعوة وبعض عوائقها.   لتصفح أو تحميل الرؤية الدعوية
  
الرؤية الفنية   يشكل العمل الفني أحد مجالات عمل حركة التوحيد والإصلاح التي نص عليها ميثاقها وهو يندرج في مجال العمل الثقافي والفكري. لذلك وبالنظر لما تشهده الساحة الوطنية من تطورات في المجال الفني، ارتأت الحركة ضرورة صياغة إطار نظري يحدد رؤيتها لمنطلقات هذا العمل وأهدافه وأولوياته ووسائل العمل فيه. لتصفح أو تحميل الرؤية الفنية
  
توجهات واختيارات   صاغت الحركة عدة وثائق تحدد رؤاها ومنهجها في مجموعة من مجالات العمل، وهذه الرؤى قد تحتاج من حين إلى آخر إلى تفصيل أو تنزيل يكون جوابا على قضايا تفصيلية أو أسئلة آنية. كما أن بعضها يحتاج إلى تأكيد أو تلخيص أو مزيد بيان وتوضيح في إطار المنهج العام للحركة، كما تحدد في أوراقها المرجعية، وكما تبلور واستقر من خلال الممارسة العملية. وفي هذا الإطار يأتي اعتماد ورقة توجهات واختيارات لما تتضمنه من تأكيد وتوضيح وتتميم لتوجهات الحركة واختياراتها.   لتصفح أو تحميل توجهات واختيارات الحركة